الأحد، ١٥ يوليو ٢٠٠٧

زمـــــن الكــــــــــلاب




**********************
سألتها : ماذا اسميكي ؟

:نظرت إليّ بألفة وقالت
! " أتعرف, احد الكبار كان يلهو معي وأنا صغيرة وكان صغيرا أيضا .. كان يدعوني : " بسبس

ولماذا تركتيه ؟
لم يكن يطعمني .. فقط كان يلهو معي وكنت أسايره عله يفرح مني فيعطيني طعاما, ولكن يبدو انه لم يكن يملك طعاما .. فتركته
! أو يملك ويبخل عليكِ
..ربما

طالما هو من " الكبار" , كما تسمينهم , فبالتأكيد يملك طعاما لنفسه,ولن
!ينقص الكثير ان منحك فقط ما يشبعك
:شردت لبرهة .. وبدت وكأنها تفكر في كلماتي .. ثم نظرت إليّ بحزن وأردفت
! معك حق

:ثم خفضت رأسها بمرارة وتابعت
هكذا هم الكبار طوال الوقت ! .. أنانيون, طامعون, مغترون بذاتهم .. لا
! يلتفتون الينا، ولا يهتمون بنا

: ثم نظرت الىّ وصاحت
اتدرى انهم يدهسونا كثيرا اثناء سيرهم ؟

:نظرت اليها بدهشة فهزت رأسها تأكيدا وتابعت
نعم .. يدهسونا ثم لا يعبئون بما صنعوا .. بل وربما نسمع ضحكاتهم علينا حين يسمعوننا نموء ألما .. والأكثر من ذلك .. فقد قتلوا منا الكثير دهساً
!بعلبهم الصلبة المتحركة
أتقصدين " سياراتهم " ؟ .. يا الهي ! .. ولماذا لا تعترضون ؟ .. أو حتى تنتقمون ؟

:نظرت إلىّ بإبتسام ثم أجابت
!نحن لا نملك أن ننتقم .. فقط نحاول ألا نقف في طريقهم .. أو طريق علبهم

في مدينتي القديمة, اقصد الأرض التي أتيت منها، لم أر تلك الفروق بين البشر
والقطط ! .. إنهم متحابون ومتعايشون معاً .. ولا تحدث مثل هذه الحوادث إلا
نادراً ! .. إطلاقاً ! .. إنهم أحيانا يأكلون وينامون سوياً .. بل ويعد لهم الكبار
!مأكلهم ومشربهم ومنامهم بأنفسهم

.. معقول ؟ .. حسناً .. هنا الأمر مختلف ! .. هنا الفرق كبير بيننا وبين الكبار
!وكل منا ينبغي أن يعرف حجمه جيداً لكي يستطيع أن يعيش
!!.. وأي حياة

الا تعجبك حياة القطط ؟
!ليس الأمر كذلك، ولكنني اكره الضعف فحسب

لسنا جميعاً أسوداً مثلك ! .. أم انك تريد أن يصير الجميع كباراً ؟
.. كلا بالطبع ! .. أنا مؤمن بان الحياة ينبغي أن تضم الجميع، كبارا وقططاً
ولكنها مسألة ادوار
ادوار ؟

نعم, فليس دور الكبير أن يدهس الصغير ويأكل قوته، وليست وظيفة الصغير
في الحياة أن يضع كل همه كيف يفلت من أذى الكبير و"يختلس" لنفسه اقل ما
! يبقى على حياته من القوت

:شردت قليلاً ثم قالت
اتعرف .. الكلاب هنا افضل حظاً منا .. فهم لا يتعرضون للاذى مثلنا .. اقل
بكثير.. بل ان كثيراً منهم ان لم يكن كلهم .. لديهم العديد من الصداقات مع
الكبار، يطعموهم ويلهون معهم .. بل ويسيرون جنباً الى جنب معاً وبينهما قيد
! أو سلسلة كيلا يضلا عن بعضهما

:أومأت براسي مؤكداً
نعم .. أعرف ذلك ورأيت مثله في بلاد اخرى واكثر ! .. ان
!البشر هناك يبنون لهم بيوتاً خاصة لهم بجانب بيوتهم

:نظرت الىّ في غيظ وصاحت
حقاً ؟

.. نعم .. ويأخذونهم معهم الى الشواطيء يلهون ويمرحون و
..حسناً .. حسناً .. دعنا من سيرة الكلاب .. فانا لا احبهم .. دعنا نأكل قليلاً
لقد اتيت لتوى ببعض الطعام

: نظرت اليها طويلاً ثم صحت
الى متى ساظل هكذا ؟
!وماذا تعني بهكذا ؟

الى متى ساظل أنتظر الطعام منك كرضيع صغير ضعيف ينتظر امه لتأتى له
!بالطعام
:تبسمت الىّ وقالت
بعيداً عن اختلاف الحجم بيننا – لصالحك بالطبع ! – ولكني اكبرك كثيراً
بالفعل .. لا تقلق .. يمكنك ان تدعونى كأمك

:صحت غاضباً
انا لا امزح ! .. انا لا أقبل تلك الحياة ! .. انا الأسد الذي تأكل الحيوانات من
!! بقاياه ..اعيش عالة على قطة
:تمتمت بصوت مسموع
!أسد, أسد .. ألن ينسى ابداً
نعـــم ؟؟ .. انسى ؟
:صاحت في ضيق
حسناً .. حسناً.. ماذا تريد الان تحديداً !؟
أريد ان اعمل ! .. ان اكل من عملي .. الم تغيري من ملامحي لأحيا بشكل طبيعي ؟
نعم .. بقدر ما استطعت ! .. تبدو الان قطة غريبة الشكل وليس اسداً ابيض
!اللون

!ما علينا .. المهم اننى استطيع ان اعمل مثل اى قطة عادية
و .. ومن قال لك ان القطط تعمل ؟
!!ماذا ؟

!نعم .. من قال لك هذا ! .. ان فرص العمل لدينا محدودة للغاية
!!محدودة للغاية !! .. ولماذا احلتيني لقطة اذاً

: صاحت فى غضب
وماذا كنت ترغب ان تكون اذاً ؟؟ .. فيل ؟؟
!اى شيء ! .. المهم ان يكون مطلوباً للعمل فى هذا البلد

والله انا لست ساحرة لأعرض عليك قائمة حيوانات تختار منها ما تشاء !..انا
ساعدتك لكى يصبح شكلك اقرب الى حيوان مقبول تواجده هنا !.. واسهل
.. حيوان تحال اليه هو القطة ! .. واكثر الحيوانات عملاً هنا هو الحمار !
اكنت تريد ان تصير حماراً ؟

بغض النظر عن صعوبة تحقيق ذلك , ولكن .. ما عيبه ؟
عيبه انه حمار ! .. لا يعرف من الدنيا سوى العمل والاكل ! .. مهما تعرض
لإهانة وضرب وقلة إطعام لا يعترض ولا يغضب .. ويظل يعمل ويعمل .. وانت
! وبطبعك المتمرد هذا, اكيد لن تقبل مثل هذه الحياة

!بالطبع لن اقبل ! .. ولكن كيف يكون مثله أكثر العمال هنا ؟
للاسباب التى قلتها لك ! .. لا يعترض .. لا يثور .. لا يفكر سوى فى عمله
وطعامه .. اين يجد الكبار افضل منه ! .. ولهذا البلد ملأى منه .. وعمله
متوفر دائماً
وهل يعمل غيره هنا ؟
.. نعم .. ولكن ليسوا بكثير
لايهم, مثل من ؟
.. الكلاب مثلاً
!!الكلاب ! .. لقد خدعتيني اذاً
صاحت بدهشة : خدعتك ؟

!نعم ! .. كان من الممكن ان تحيليني كلباً ولكنك لم تفعلي بالطبع لأنك تكرهيهم
وهل ترى شبهاً بينك وبين الكلاب ؟ .. كان هذا الامر صعباً جداً

بالعكس ! .. هناك صنف من الكلاب ابيض اللون مثلى وطويل الشعر بحيث
!يغطى وجهه .. كان من الممكن ان اصير شبيهاً له
وليكن .. ما الفارق اذا ؟
" !الفارق كبير وتعرفيه جيداً ! .. "الكلاب هنا افضل حظاً منا

: ظلت تحدق فى وجهى لدقائق .. ثم اشاحت بوجهها قائلة
!حسناً .. اعترف بذلك .. ولكني ايضاً لم أخدعك
!!كيف

.. اسمع يا هذا
!اسمي ليون
حسناً .. اسمع يا ليون .. نعم .. الكلاب فى كل بلد وهنا بالذات لديها حظوظ
وافرة .. ولكني لا ارى ان هذا مناسباً لك .. أنت افضل منهم بكثير ! .. ولا
تستحق ان يؤول بك الحال ان تصير حارساً لأحد الكبار .. وتصبح تلك مهنتك
وما المشكلة ! ..عمل شريف .. ويناسب طبيعتي القوية

:صاحت غاضبة
افهم ! .. المشكلة ليست فى العمل ذاته ! .. المشكلة ان عمل الكلاب الجقيقي
!حراسة الكبار ولكن التذلل لهم !.. والمشكلة الاكبر انك تعمل لدى الكبار
ولماذا تسمينه إذلالاً ! .. لم لا تسمينه وفاءاً وصداقة ؟ .. الأنكم يا معشر القطط لا تعرفون معنى الوفاء ؟

:انفجرت في وجهي صائحة
لا بالطبع نعرفه جيداً ! .. ولكن ليس هذا النوع بالطبع ! .. وفاؤنا للأرض التى
ولدنا عليها ! .. وفاؤنا للوطن وصداقتنا لبلادنا .. ولكن الكلاب وفاؤهم لمن؟
وفاؤهم لمن يطعمهم من الكبار ! .. وفاؤهم للعظام ومن يأتى لهم بها ! .. ومن
اجل هذا لا يتورعون عن اذلال انفسهم لاسعاد الكبار .. ويجوبون الأوطان
والبلاد .. مساقون خلف الكبار .. والكبار مثلهم يحبون من يعيش ذليلهم
.. ويرضي غرورهم ..ولهذا لا احب الإثنين : لا الكبار ولا الكلاب
فهما متشابهان تماماً

:نظرت اليها متشككاً فصاحت
انظر الى الشوارع والطرقات ! .. كم من مرة رايت كلباً يعقر رجلاً مسالما يسير
!فى الطريق ؟ .. أين هذا الوفاء اذا ً !.. ام أنه يعاقبه لأنه لا يملك طعاماً له
:صمت قليلاً ولم اعقب, فقالت
حسناً .. ان كنت لا تصدقنى فلا باس .. الامر مازال بيدينا .. يمكنك ان تنتظر
..نمو شعرك ثانية وسأحاول أن

:قاطعتها قائلاً
أتحيليني الى صورة عدو لكي ؟
هذا افضل عندي من تهمة الخيانة والخداع ! .. قد اقوم بخداع بعض الكبار
املاً في بعض الطعام او حتى اتقاءاً لشرهم .. ولكني لا اخدع ولا اخون
! من عاهدته ابداً

:نظرت اليها باسماً وقلت
حسناً .. ولا انا اصدق انك تخدعيني .. انسيتي اننا ابناء عموم ؟
هتفت في فرح : حقاً ؟ .. لست غاضباً مني ؟
!بالطبع
: قالت في أسف
ولكني اشعر اني اضعت عليك فرصة كبيرة .. فأنت تحب العمل

بالفعل احب العمل .. ولكني لا اقبل هذا النوع .. لقد كنت فى السيرك اعمل مع
اصدقائي البشر وارى بأعينهم الحذر مني وتقدير قوتي .. كيف أعيش بعد ذلك ذليلاً لهم ؟

:نظرت الىّ قائلة
ألن تندم بعدها ؟

:صحت بثقة
..لا .. لن اندم ! .. لن أرض بالذل أن كنت اريد أن ابقى اسداً في اعماقي
..أشرف لي أن احيا متخفياً في قطة .. عن أن أصير كلباً لأحد الكبار
..حتى وان كانت الحظوظ لهم
!حتى وان كنا نعيش زمن الكلاب




**********************


ليست هناك تعليقات: